الجصاص

64

أحكام القرآن

إثما كبيرا . وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها ، لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها ، ويدل على أن من له عند غيره مال فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه ، لقوله تعالى : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) ، والله الموفق . باب تزويج الصغار قال الله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) . روى الزهري عن عروة قال : قلت لعائشة : قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) الآية ؟ فقالت : " يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من النساء " قالت عائشة : " ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) إلى قوله تعالى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) [ النساء : 127 ] " قالت : " والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) ، وقوله في الآية الأخرى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حتى تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن " . قال أبو بكر : وروي عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) . وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويل غير هذا ، وهو ما حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبد الرازق قال : أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) يقول : " ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن " . وروي عن مجاهد : " وإن خفتم ألا تقسطوا فحرجتم من أكل أموالهم ، وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع " . وروي فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة قال : " كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام ، فنزلت : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) الآية " . وقد اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجد الصغيرين ، فقال أبو حنيفة : " لكل